ابن حزم

25

رسائل ابن حزم الأندلسي

المقصر في المؤلفين فيه من أهل بلدنا " ( 1 ) أو حين يقول : " وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الخصوم ولا اختلفت فيها النحل ، فقل لذلك تصرفهم في هذا الباب ، فهي على كل حال غير عرية عنه . . . " ( 2 ) تجد تواضعاً في الحكم وروحاً علمية أمينة . وكل ذلك ينفي نزعة التعصب ، لأن التعصب معناه أن نبرز الحسنات ونخفي السيئات ، وليس كذلك ابن حزم ، فهو من ذلك الجيل من المفكرين الأندلسيين الذين قال فيهم الدكتور محمود مكي محقاً : " والمفارقة الصارخة التي تبدو عجيبة لأول وهلة هي أن هذا الجيل الذي أشرنا إلى مدى اعتداده بقوميته وبوطنه . . . كان أكثر كتّاب الأندلس ومفكريها إلحاحاً على نقد شعبهم وحدةً في إظهار عيوبه . . . " ( 3 ) . وكان هذا التمجيد لتراث الأندلس في الماضي والحاضر لم يستطع أن يطمس أمام عيني ابن حزم انهيار الحاضر ، لأن الوعاء السياسي - وهو الذي يستوعب جميع النشاطات الإنسانية الأخرى ويؤثر فيها - كان في نظره منهاراً ، ولهذا لم يجوز أن يفهم الماضي على ضوء الحاضر ، والشاهد على ذلك أن قوماً يقولون - مثلاً - إن يوسف الصديق كان في مقدوره أن يعرف أباه خبره لقرب المسافة ، وهذا في رأي ابن حزم جهل ممن يقوله : لأن أباه يعقوب كان في أرض كنعان من عمل فلسطين في قوم رحالين وفي طاعة أخرى ودين آخر " كالذي بيننا اليوم وبين من يصاقبنا من النصارى كغاليس وغيرها أو كصحراء البربر " . وإنما كان هذا التعريف ممكناً لمن يرى " أرض الشام ومصر لأمير واحد وملة واحدة ولساناً واحداً وأمة واحدة والطريق سابل ، والتجار ذاهبون وراجعون ، والرفاق سائرة ومقبلة ، والبرد ناهضة وراجعة " ( 4 ) . ومعنى ذلك كله أن التغيرات التي جدت بمرور الزمن لا تسمح بمثل هذا القياس ، فالتباعد بين الماضي والحاضر في السيادة والوحدة الدينية واللغوية والوحدة الإقليمية وسهولة المواصلات واستتباب الأمن ونشاط العلاقات التجارية وتنظيم البريد يمنع من مثل ذلك . وكل هذه العوامل التي جدت تجعل الماضي مختلفاً عن الحاضر ؛ لكن على ضوء الحاضر نفسه يمكن أن تفهم مسافة الخلف بينه وبين الماضي ، فأما قياس التطابق

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ف : 16 ، ص : 185 . ( 2 ) المصدر السابق ، ف : 18 ، ص : 186 . ( 3 ) مقدمة المقتبس ( ط . مصر ) : 91 . ( 4 ) الفصل 4 : 12 .